السبت، 19 ديسمبر، 2015

التجربة

هل يستحق الموقف فعلا تلك المعاناه؟؟؟؟

تذكرت الطريق الطويل الذى اتخذته منذ الفجر كى اصل لذلك المكان ... لا اعلم لماذا قبلت ان اشترك فى تلك التجربة ... لكن شئ ما بداخلى دفعنى للقبول ... انها تلك الروح المتوهجة بداخلى التى تتمنى الطيران و التحرر الى افاق بعيدة ... هل ستحقق لى تلك التجربة ما كنت ابحث عنه طوال حياتى؟؟؟ ... الانطلاق !!!

انه المغرب ... تأملت الحديقة المهملة حولى التى تغطيها اوراق الشجر الذابلة ... ارتفعت الاعشاب الى مستوى غير عادى لعدم وجود اى تهذيب لها منذ سنوات بعيدة ... انه مكان بعيد نسته الدنيا و قرر ان ينعزل عن العالم ... تعبث الرياح الخافتة بشعرى و معطفى و انا اتامل المكان حولى ... تتجول عيناى فى انحاء المنزل المكون من طابقين القائم امامى ... لونه ابيض حائل من القدم ... وقف يتحدى الزمن لكن معركته لم تخل من جراح ظهرت فى شقوق انتشرت فى ارجائه ... تجولت اشعة الغروب الخافتة بين اوراق الشجر المتبقية على الغصون ... انه الخريف ... تجاهد تلك الورقات المتبقية ان تحتفظ برونقها امام قبضة الخريف العاتية لكنها لن تستمر ... سرعان ما ستنضم لرفاقها و تتحول الى ورقات ملتوية بنية تسحقها الاقدام العابرة ...

انه الخريف ... يجب ان تموت تلك الاوراق كى تخلق الحياه مرة اخرى ...

هل تأخرت عليهم؟؟؟

اعلم انهم منتظرين بالاعلى ... سوف تتم التجربة بالطابق الثانى و لا اعلم لماذا يتوقعون لها نتائج باهرة ... اعتقد انه لا امل لهم الا تلك التجربة كى يتوصلوا الى سر دفين ... و لا اهتم ... التجربة فقط تشدنى بكل ما فيها و من فيها ... يشدنى كل شئ حولى من همسات الرياح الخافتة و السقوط البطئ للاوراق على الممر الترابى بين الاشجار الضخمة الملتفة ... يبهرنى المنزل الصامت القائم فى وسط الحديقة يخفى اسرارا لم يراها غيره ... هو الشاهد الوحيد على اجيال مرت بذلك المكان و اندثرت ... و لن يعرف سرها سواه ...

سوف اصعد الان ... اعتقد انهم بانتظارى ...

اتخذت طريقى الى الدرجات الخشبية لذلك المنزل ... صوت تكسر الاوراق الذابلة اسفل قدماى يبعث بداخلى قشعريره عجيبه ... لكنها ممتعه فى نفس الوقت ... صعدت الدرجتين اللاتى تفصلانى عن الباب الخشبى الضخم و دفعته و اتخذت طريقى للداخل ...

البهو الضخم الصامت لا تنيره غير اضواء الشموع اللاتى احضروها معهم للاناره ... يقولون ان التجربة لن تتم باستخدام الكشافات الكهربية الحديثة ... يجب ان تتوفر جميع الظروف التى كانت موجوده فى ذلك العصر كى تتم التجربة بنجاح ... و لا اهتم ... بكل صدق يعجبنى ضوء تلك الشموع و الجو الصامت الغامض الذى تبعثه اشعتها المرتجفة ... تعجبنى الظلال الخافتة التى تلقيها اضواء الشموع على جدران المنزل الحائلة من القدم ...

صعدت الدرجات الخشبية العتيقة التى صرخت من ضغط قدماى عليها بعد سنوات طويلة من العزلة ... الطابق الثانى تنتشر على جانبيه ابواب حجرات كثيرة ... اعلم انهم فى تلك الحجرة التى فتح بابها و ظهر منه انعكاس ضوء شموع تمت انارتها بالداخل ... فبددت نوعا ما الظلمة التى غمرت الطابق باكمله ...

دخلت فوجدتهم جميعا جالسين ... اومات براسى اليهم فاشاروا لى بالمثل ... اتخذت مقعدى امام ذلك السرير النحاسى القديم و جلست اتاملهم ...

كانوا جالسين جميعا حول السرير من الجانبين ... اضاؤوا شموعا وضعوها فى جوانب الحجره كى تبدد الظلام القائم ... يقولون ان اكبرهم هذا قد قام بالتجربة مرات عديدة قبل ذلك و يستطيع القيام بها مرة اخرى بمهارة ... الاحظ جلسته امام السرير و تململه و طرقات قدمه المنتظمة على الارض الخشبية ... هل يستطيع ذلك حقا؟؟؟

اتاملها و هى تتبادل الحديث الخافت مع الشاب الجالس بجانبها ... اعلم انها لا ترانى و لم تستطع يوما ان ترانى ... و لم استطع يوما التوقف عن رؤيتها ... لم استطع يوما منع قلبى ان يخفق من اجلها ... فقط اتامل مناجاتها للشاب بجانبها الذى لا استطيع ان اكون مكانه ... لكننى اخفى ذلك فى اعماقى و ابادلها الابتسام عندما تنظر لى ...

هل تشعر بالتوتر حقا؟؟؟؟

بالتاكيد سوف تشعر بالتوتر من مثل تلك التجربة الغريبة ... ستشعر بالخوف و الرعب الشديد ان تمت بنجاح ... سوف تحتمى فى صدره من شبح الخوف المحيط و سوف يمنحها الامان بلمسات حانية من اصابعه على شعرها الناعم الاسود ... بالتاكيد سوف يفعل كل ما كنت سافعله ان كنت فى موقعه ... و لكننى لست فى موقعه ... و لن اكون ...

-          سوف نبدأ !!! 

صدرت تلك الكلمات بصوت عميق بدى فى اذنى غريبا ... و تحرك الرجل كبير السن تجاه السرير و قام بتنسيق الملاءات عليه ... قام بوضع المنامة الحريرية قديمة الطراز ذات الخطوط الزرقاء الطولية على السرير و وضع فوقها الغطاء الصوفى الموجود ...

-          كل شئ جاهز الان .... فقط الصمت !!! 

اسمع همساتها و استطيع ان المح بعض من الكلمات التى توجهها اليه ...

-          هل نحن بحاجة الى ذلك حقا؟؟؟؟ 

-          لا توجد طريقة غيرها كى نعرف اين اخفى تلك الماسات التى تحدثت العائلة كلها عنها ... 

-          بدات اعتقد انها مجرد اشاعات ... 

-          ليست اشاعات ... كانت موجودة ثم اختفت مرة واحدة ... ذكر فى وصيته انها ستذهب بموته ... و قد ذهبت ... 

 -              ................

-          فقط اصمتى ... سوف تعلمين الان اننى على صواب ... 

و تنظر الى ...

-          هل تثق بذلك حقا؟؟؟ 

ابتسم ...

-          تعلمين ان الامر لا يعنى شيئا لى ... فقط اهتم بالتجربة ... انها مبهرة !!! 

-          نعم اعلم ... اعلم انك مجنون !!! 

-          الصمت !!!!!! 

و جلسنا جميعا صامتين نتابع ما يفعله ...

لا اعلم ما الذى فعله حقا ... فقط اهتممت بمتابعة حركاته المتوترة ذهابا و ايابا الى السرير النحاسى ... نثر شيئا ما فوق المنامة و الغطاء الصوفى و جلس على مقعده و القى راسه الى الوراء ... كان فى مظهر النائم لكنه لم ينم ...

هل ستتم التجربة حقا؟؟؟؟؟

لماذا اشعر بتلك البرودة؟؟؟؟ .... احكمت اغلاق معطفى حول رقبتى و واصلت الانتظار ...

لكن اعتقد ان هناك شئ ما يتغير ...

لاحظت تلك الحركة الخافتة اسفل الغطاء الصوفى ... تابعت بعينى ارتفاعه البطئ الذى ينبئ بتكون شئ ما باسفله ... لم استطع ان احدد شعورى ... هل اشعر بالخوف حقا؟؟؟ ... اننى لا اشعر بشئ على الاطلاق ...

لكننى اعتقد فعلا ان التجربة قد نجحت ... لان النائم الذى تكون تحت الغطاء قد حصر الغطاء عنه و جلس على طرف السرير فى منامته ذات الخطوط الزرقاء الطولية ... ارتسمت نظره غريبة على عينه اليسرى الزرقاء لان عينه الاخرى كانت بيضاء تماما لا ترى شيئا ... هل تلك النظرة التى ارتسمت على عينه نظرة سخرية؟؟؟

أم اننى اتوهم؟؟؟؟؟

و لماذا لا يصدر اى صوت منهم؟؟؟؟

و لاول مرة منذ تكون ذلك الشئ امامى قمت بالقاء النظر عليهم ...

و اعلم الان لماذا لا يصدر عنهم اى صوت !!!

كانوا متجمدين تماما ... القى الرجل الكبير السن راسه الى الوراء و لمحت اصابعها و قد تجمدت بين خصلات شعرها و لمحته ينظر اليها و فمه مفتوح فى وضع الكلام ... لكنه لا يقول شيئا ...

و لمحته يسير بينهم متجها الى دون ان يتغير شئ من وضعهم الصامت ...

و وقف امامى و نظر الى ... فوقفت و نظرت اليه ...

نعم .... اننى لا اشعر بأى شئ على الاطلاق !!!

-          و لكن لماذا انا؟؟؟؟ .... لماذا لم يحدث لى ما حدث لهم؟؟؟؟ 

-          من قال هذا؟؟؟؟ 

لم افهم شيئا !!! .... ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة و التفت حولى على افهم شيئا ... فوقع نظرى على جالسا على مقعدى و راسى مطاطئ على صدرى فى وضع النائم ...

لم استطع الكلام ... اخذت ادور حول الكرسى الذى المح نفسى جالس عليه فى وضع النائم و متجمد مثلهم تماما ... لمحت قطرات عرق خفيفة قد تكونت فوق شفتى رغم برودة الجو ... مددت اصابع مرتجفة الى شفتى ... او بصورة ادق ... الى شفاه ذلك الجالس فى وضع النائم ... الذى هو انا ... و اعلم الان اننى فعلا لا استطيع لمسه ...

و لا اشعر بشئ على الاطلاق ...

-          الم تطق يوما للانطلاق؟؟؟؟ ... لقد نجحت التجربة التى حلمت ان تحققها طوال حياتك !!! 

اصمت ...

-          الان سوف تذهب معى .... و سوف ادلك على معالم الطريق !!! 

و اعلم اننى سوف اذهب ...  









الاسكندرية – 25 فبراير 2013  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق