السبت، 19 ديسمبر، 2015

المشهد الأخير

انه ذلك الظلام بداخلى الذى يخلق لدى ذلك الشعور الغريب ... شعور رهيب بالملل ... ملل ناتج عن الارهاق ... مللت طريقى الطويل الشاق الذى اركض به وحيدا دون ونيس ... يزداد طول الطريق و تتزايد برودة الجو شيئا فشيئا ... تزداد العتمة حتى لا اكاد ابصر ما حولى ... لا اسمع شيئا سودى تردد انفاسى و وقع اقدامى الذى اتخذ ايقاعا رتيبا اعتدت عليه حيث لا يوجد غيره ...


***********************************************


و مرة اخرى يهتز المشهد كسطح بحيره القى فيها حجر ... و يذوب كل شئ ... و اعود ... احدق فى المبانى المنطلقة تناطح السماء من جلستى بجانب النافذة ... اتابع بذهن غائب شفاهم و هى تتحرك بالكلام ...

انهم كثيرون ... استطيع سماع كلامهم لكنى لا استطيع استيعابه ... و مرة اخرى اتشاغل بالتحديق فى نسيج العنكبوت بركن السقف ... لا استطيع ان ارى العنكبوت لكنى اتخيل انتظاره الصامت فى سبيل العثور على فريسة يلقيها حظها العاثر فى شباكه ...

و ابتسمت ...

-          حنشتغل ايه النهاردة؟؟؟ 

و كان الكلام موجه لى ...

-          فيه كام حاجة كدة فى دماغى عايز اعملها ... حقعد دلوقتى اقولكم انا ناوى على ايه بالظبط ... 

تصمت قليلا ... ثم ترفع رأسها و توجه لى الكلام 

-          انا زعلانه منك من حاجة ...  

-          خير؟؟؟ 

-          انت عارف انى لو حصل و حسيت انى حشيل من حد بقوله على طول ... هى دى طريقتى ... 

-          و دى حاجة متزعلش حد ... خير زعلانه ليه؟؟؟؟ 

و تحركت شفتاها بالكلام ... و تابعت عيناى حركة شفتيها ... و التقطت اذناى الكلام الكثير المنطلق منها و الذى كنت ارد على اجزاء منه بطريقة آلية ...


و انطلقت الافكار تعربد فى رأسى ... و مرة اخرى اهتزت الصورة و ذابت الموجودات ...

***********************************************

و هذه المرة رأيتك ...

استطعت ان استنشق عبيرك الذى داعب انفى ... و لمحت بأعين مشتاقة خصلات شعرك الاسود الناعم الذى عبثت به الرياح الخافتة ...

و استطعتى ان تلمحى دموعى الساخنة تسيل على وجنتى فمددت اصابع رقيقة و قمتى بمسحها ...

-          انت زى ما انت ... مش حتتغير ابدا ... 

و ابتسمت لحديثك ابتسامة خافتة ... رفعت عيناى اللاتى تركزتا على اللاشئ الذى نقف عليه و يحيط بنا سويا ... و حلقت طويلا فى حلكة ليل عينيكى الساحر ...

و ابتسمتى ...

-          مالك؟؟؟ 

-          تعبان ..... و خايف !!! 

-          خايف و انا موجودة؟؟؟ 

 -              ......

-          هى الاجابة صعبة للدرجة دى؟؟؟ 

و نظرت اليكى مرة اخرى ...


هل ما زالت لديكى القدرة على رؤية افكارى يا فتاتى الصغيرة؟؟؟

***********************************************

انه ذلك الطفل الصغير الذى قرر ان يترك بيته الدافئ و ينطلق خارجا ... داعب وجهه نسيم الليل الخافت و ارتسمت فى عينيه اوراق الاشجار ببريق فضى ناعم ... انها بداية الليل التى بعثت فى داخله تلك الرغبة فى الاقدام على مواصلة السير مسترشدا بالقمر ... سار طويلا و عيناه معلقة بالسماء و احلام طفولية تراوده بانه سيستطيع الوصول الى ذلك القمر الذى يضئ الليل فوقه و يصبغ الموجودات حوله ببريقه الفضى ... لكن سيره لم يقربه من القمر و ظلت المسافة بينهما ثابته ... و بدأت احلامه تتحول الى كابوس من الذعر عندما ادرك انه تاه عن طريق العودة ... و تحولت رغبته الملحة فى الوصول الى القمر الى رغبة اقوى فى العودة الى المنزل الدافئ ... ظلت عيناه تفتش فى وجوه السائرين حوله على وجه يحبه ... وجه امه ... يعلم انه ترك بيته برغبته لكن ذعره تحول الى نداء صامت داخله الي امه: لماذا تركته وحيدا؟؟؟


سيره الطويل جعله اكثر هدوءا و من داخله بدا يتقبل واقعه الجديد ... لقد تاه فعلا ... و عليه ان يعتمد على نفسه كى يجد طريق العودة للمنزل ... حاول كل جهده ان يرسم فى خياله معالم الطريق ... لكن حدة الليل كانت تزداد مع سيرة و بدأت الطبيعة تكشر عن انيابها بعدما اعطته ابتسامتها المشجعة الناعمة ... ازدادت برودة الليل و توارى القمر خلف السحب الرمادية الداكنة ... و ازدادت قسوة هطول المطر و اضاءت جوانب الليل اسواط البرق الصاخبة ... لم يجد له مأوى من العاصفة سوى ذلك الكهف الذى جرى اليه و انكمش فى احد اركانه ... فى جلسته الصامته راوده حلما بأنه قد استطاع العودة الى المنزل ... استطاع ان يرى وجه امه مرة ثانية و استطاعت ان تضمه اليها بعد تلك الغربة الطويلة ... استطاع بين ذراعيها ان يحس بالدفء الذى اشتاق اليه و استطاع النوم ان يداعب جفنيه بعد سهر طويل ... لكنه كان مجرد حلم ... و كانت الحقيقة انه ما زال منكمشا حول نفسه فى ركن ذلك الكهف المعتم حتى تنتهى العاصفة و حتى يأتى النهار ... و حتى يستطيع ان يستكمل رحلته فى البحث عن طريق العودة ...

***********************************************

هل ما زالت لديك القدرة على رؤية افكارى يا فتاتى الصغيرة؟؟؟

و اتى دورك فى الصمت ...

لكنك فى النهاية رفعتى عيناكى الى و همستى بصوت خافت:


-          انا عمرى ما سبتك !!! 

***********************************************

و تتوه الموجودات و تهتز الصورة ...


اجدنى انطلق فى ذلك السهل الاخضر الممتد الى مالا نهاية ... يصطدم الهواء بوجهى من سرعتى فى الانطلاق و احس بالمتعه تغمرنى ... اعرف اننى فقدت شكلى المعتاد و تحولت الى شكل اخر ... تحولت الى كائن صغير ينطلق فى الغابة الواسعة بلا توقف ... الان استطيع ان اجرى و استطيع ان اغوص فى اعماق تلك المياه الزرقاء الصافية ... استطيع ان اتسلق الاشجار ... استطيع ان اطير ...

***********************************************

و استطيع ان ابتسم من متعتى الهائلة ...

-          يعنى انا بقولك الكلام ده كله و انت فى الاخر تضحك؟؟؟ 

و انظر فى عينيها و ابتسم مرة اخرى ...

-          اصل كالعادة زعلك مش فى محله ... انتى بس اللى واخده الامور بحساسية اكبر من اللازم ... 

-          لا مش واخده الامور بحساسية ... انت اللى اتغيرت و مبقتش زى الاول !!! 

اضحك مرة اخرى على كلامها فتحمر وجنتيها من الغضب ... 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق