السبت، 19 ديسمبر، 2015

فتاة الشرفة ذات الستائر الحريرية

حقا انه حفل صاخب .... تتحرك قدماى بخطوات سريعة بين المدعوين ... ينتشر الهرج و المرج فى المكان و تتعالى اصوات الضحكات ... تغمرنا الاضواء الباهرة بينما اوزع ابتساماتى السريعة فى وجوه كل من اقابلهم ... تبدو ايات الفخر و الجمال فى المكان الذى اتجول فيه بساحته الواسعة و اعمدته الرخامية البيضاء ذات التيجان المنحوتة برسوم من عوالم الخيال ... تتدلى الثرى الضخمة من السقف و ينعكس الضوء على لآلئها فتبدوا  كالنجوم  ...

اقترب من احدى المجموعات المنتشره فى ارجاء المكان ... و تتعالى منهم الضحكات ... تشير لى احداهن ان اقترب ... وتأخذنى قدماى اليهن و انا ارفع الكاميرا الخاصة بى امام وجهى استعدادا للتصوير  ...

-       ابتسموا ...

تختفى فى لحظات الابتسامات المقهقهة و يحل محلها ابتسامات ناعمة ضئيلة ... يقتربوا من بعضهن استعدادا للتصوير و تبدو على وجوههن جميعا مظاهر الود و الحب لبعضهن ... ترتسم على جانب فمى ابتسامة خفيفة غير ملحوظة و ارفع الكاميرا امام عينى ... و يسطع الفلاش فى وجوههن ليعلن انتهاء حالة التمثيل اللحظية ... و يعودوا ثانية الى ضحكهن الصاخب  ...

انظر الى الصورة التى التقطتها و تتسع ابتسامتى ... كالعادة مختلفة عنهن ... يبدو ان الكاميرا التى اقوم بالتصوير بها مختلفة عن اى كاميرا فى العالم  ...

لكننى اشعر بالارهاق ... اشعر بالتعب من تكلف الابتسام فى وجوه المدعوين ... بالتاكيد انا لا اكرههم لكننى لا احبهم لدرجة الابتسام بود حقيقى فى وجوههم ...

المح الستائر فى نهاية القاعة تتحرك بصورة خافتة بتأثير الرياح ... تأخذنى قدماى الى الشرفة طمعا فى بعض الهدوء ... ازيح الستائر و ادخل و اغلقها خلفى ... و اراها  ...

تستند على جدار الشرفة و اعلم انها تنظر امامها بعيدا الى الافق الداكن اللانهائى ... يغطى شعرها الاسود الطويل ظهرها ... يضيئه القمر الذى ينعكس بنور خافت على قطرات الندى الضئيلة التى تغطى شعرها و تغطى المكان ... احس بهمسات الرياح الخفيفة فى اذنى تحملنى بعيدا عن العالم ... فى لحظات يختفى الصوت الصاخب و يحل محله صوت الرياح الخافت و ملمس الندى البارد على وجنتي ... و انفصل تماما عن العالم الذى اتيت منه ... فقط لاعيش اللحظة الحالية بكل مظاهرها و معانيها  ...

ربما سمعت خطواتى الخافته او سمعت صوت انفاسى و انا اقف ورائها ... لا اعلم ... لكنها التفتت و راتنى ... و ابتسمت  ...

-       ازيك عامل ايه؟؟؟؟
-       كويس الحمد لله ... لسة عايش !!!

و ابتسم  ...

و يغمرنا الصمت لحظة بعباءته فلا نسمع غير صوت الرياح الخافت ..

تشير الى الكاميرا التى احملها و تبدأ فى الكلام  ....

-       انت بتحب التصوير ؟

ابتسم  ....

-       مش موضوع بحبه .... لكن دى وظيفتى  ...
-       وظيفتك ايه؟؟؟؟
-       انى اخد للناس صور  ...
-       طب انت واقف هنا ليه بقى؟؟؟ ... اكيد هما محتاجينك جوة ...

تتسع ابتسامتى و اضحك ...

-   مظنش الصور اللى لقطتها حتعجبهم ... اصلها مش شبههم ... مش زى ما هما حبوا انها تطلع  ...
-       فى صورة فى الدنيا تبقى مختلفة عن الحقيقة؟؟؟؟

اشير الى الكاميرا التى احملها و ابتسم  ...

-       الكاميرا بتاعتى مختلفة  !!!!!!

تبتسم بدورها  ...

و ياتى دورى فى الكلام  ...

-       انتى مش واقفة معاهم جوه ليه؟؟؟ ...
-       انا كنت واقفة معاهم من شوية و كنا عمالين نضحك و نهزر  ....

و تنظر الى  ...

-       بس انا مشفتكش جوة  !!!
-       لا عادى .... اصل انا مش بقف مع حد ...

و اشير مرة ثانية الى الكاميرا التى احملها و ابتسم  ....

-       انتى نسيتى وظيفتى؟؟؟؟ ..... امال حصورهم كلهم ازاى؟؟؟؟

تبتسم مرة اخرى ...

-       طب سبتيهم و واقفة لوحدك هنا ليه ؟؟؟

تنظر لى محتفظة بابتسامتها .... لكننى لاول مرة المح مظاهر الارهاق فى عينيها  ...

و ترد علي بصوت خافت  ...

-       يعنى ... تقدر تقول انى حبيت ابقى مع نفسى شوية (تصمت) ... تعبت شوية  ...
-       ما انا جاى هنا برضه عشان تعبت شوية ...

و اشير الى المكان وراء ظهرى  ....

-       لكن غصب عنى لازم حرجع  ...

يتواصل الكلام بيننا خافتا متقطعا فى اول الامر تتخلله فترات طويلة من الصمت ... لكن الوقت يمضى و تقصر معه فترات الصمت و تزداد فترات الكلام حتى يغدو كلاما متواصلا يمضى الى ما لا نهايه .... احاول جهدى ان اعيش لحظات السعادة التى اعلم انها محدودة ... لا ابالى بما سيحدث بعد انتهاء تلك اللحظات ... انا الان موجود و هى موجودة فهى ممتدة بداخلى الى الابد ...

لكنها انتهت  ...

تنظر الى ساعتها  ...

-       انا دلوقتى لازم امشى ...

نصمت  ...

تشير الى الكاميرا التى احملها و تبتسم  ....

-       مش حتاخدلى صورة بالكاميرا بتاعتك؟؟؟
-   انتى مش محتاجة تتصورى بالكاميرا بتاعتى .... الصورة اللى حتطلع من الكاميرا بتاعتى مش حتختلف عن اى كاميرا تانية .... لكن ده بالنسبة ليكى انتى بس  ...

و اسالها قبل ان تمضى ...

-       على فكرة ... انا معرفتش اسمك لحد دلوقتى ... اسمك الحقيقى  ...
-       انت بالذات المفروض متسالش السؤال ده  !!!!
-   انا مش بسال ... انا عايزك تقوليه عشان تفضلى على طول فاكراه جواكى ... انتى متميزة عن العالم كله بان اسمك الحقيقى هو اسم الخيال  ...
-       ..........

و ابتسم لصمتها ...

-    كدة انتى ليكى اسماء كتير جدا ... اى حاجة فوق حدود الخيال حتبقى مجرد اسم من اسمائك ...

تبادلنى الابتسام ... و تزيح الستائر ... و تمضى ...

ابقى وحيدا فى الشرفة ... احاول كل جهدى ان استعيد ذلك الوجه الصامت الصارم الذى نسيته طوال تلك اللحظات ... لا يجب ان يرانى احد ضعيفا ... احاول كل جهدى ان اروض ذلك الطفل الحالم العابث و اقنعه بالرجوع الى اصفاده الحديدية بداخلى ... لقد تركته يمرح امامى لفترة طويلة ... كان بحاجة الى الاستمتاع بالنور و الانطلاق فى الحقول الخضراء الممتدة الا ما لا نهاية .... لكنه يجب ان يعود ... و يجب على ايضا ان اعود  ...

ازيح الستائر و اعود مرة اخرى الى الحفل الصاخب ... اعود مرة اخرى الى توزيع الابتسامات فى وجوه كل من اقابلهم ... و ارفع الكاميرا امام عينى و التقط الصور للمدعوين الضاحكين فى صخب ... انها وظيفتى  !!!!

لكننى ما زلت المح بين الحين و الاخر عبث الرياح بستائر الشرفة الحريرية  ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق